ما بعد يوم السيادة.. أسئلة الدولة ومسؤولية القرار
د. علي موسى الكناني
تصنع الدول العريقة عادة عبر مخاض طويل من التضحيات، وتمر بمحطات فاصلة بين زمن التخلص من القيود وزمن تشييد الصرح الدستوري والمؤسسي.
وفي الذاكرة العراقية، يمثل “يوم السيادة” علامة فارقة من هذا النوع، فهو العنوان الأبرز لتحول استراتيجي يضع الدولة والمجتمع أمام مرآة الحقيقة لتقييم المدى الذي قطعه العراق على طريق استعادة قراره الكامل وصياغة مستقبله بمحض إرادته الحرة.
حين تنظر إلى الشعوب التي واجهت مصائر مشابهة وخرجت من أتون الحروب والتمزق لتصنع معجزات استقرارها وازدهارها، تدرك أن التحدي الحقيقي يبدأ فعلياً حين تُترك الدولة وجهاً لوجه أمام مرآة مسؤولياتها الداخلية والخارجية.
اليوم، يقف العراق عند هذه العتبة التاريخية الحاسمة، مسلحاً بتجربة قاسية وغنية، وبوعي وطني متنامٍ يدرك أن امتلاك القرار السيادي يشكل خطوة أولى لا تكفي وحدها ما لم تُدعَم بقدرة صلبة على حمايته وتحصينه في وجه كل التحديات والتقلبات الإقليمية والدولية.
فبعد سنوات طويلة من مواجهة الإرهاب والتدخلات المعقدة، يعيش العراق مرحلة استثنائية يختبر فيها قدرته على يكون قادراً على حماية هذا القرار والدفاع عنه بمؤسسات راسخة.
إنها نقلة نوعية تضع الدولة أمام امتحان تحويل السيادة من عنوان سياسي براق إلى قدرة فعلية وملموسة تحمي الحدود والمجال الجوي، وتدير الاقتصاد بندية، وتبني علاقات متوازنة مع الجيران والعالم بعيداً عن سياسة المحاور والصراعات.
تفرض هذه المرحلة أسئلة مشروعة حول جاهزية القوات العراقية الباسلة لتحمل كامل المسؤوليات بامتياز واعتماد ذاتي، وقدرة المشهد السياسي على حماية التماسك الداخلي وتحصين الصف الوطني من التجاذبات. فالسيادة لا تعني الانغلاق، والاستقلال لا يعني القطيعة، بل تعني القدرة على توظيف الموقع الجغرافي والثقل الإقليمي والدولي لمصلحة البناء والتنمية، وتحويل العراق إلى مساحة لقاء ومصالح مشتركة لا ساحة لصراع الآخرين.
والجميل في هذه المرحلة أنها تتجاوز مرحلة رد الفعل إلى فضاء المبادرة، فالعراق الذي استطاع أن يستعيد عافيته الأمنية وأن يعيد بناء مؤسساته، قادر اليوم على الانتقال من حماية الدولة إلى بناء قوتها الشاملة والمتكاملة.
ومن هنا يأتي يوم السيادة ليذكرنا بأن السيادة الحقيقية ليست فيمن يغادر الأرض، بل فيمن يملك مفاتيحها، ويحدد خياراته الوطنية بملء إرادته، ويمنع أن يكون قراره أو أرضه أداة في صراعات إقليمية أو دولية.
إن ترسيخ الدولة يبدأ حين تصبح السيادة ممارسة يومية معتادة في سلوك المؤسسات، وحين يرى المواطن أن أمنه واقتصاده ومستقبله مرتبطة بقرار وطني نابع من مصلحة الشعب وحدها، وحين تتكامل حلقات الأمن والسياسة الاقتصاد والدبلوماسية في منظومة واحدة، يدرك الجميع أن يوم العراق الجديد هو يوم انطلاق حقيقي نحو المستقبل الذي يليق بتاريخه وعراقة شعبه.



